الملتقى السنوي بالعربي، الفعالية السنوية المقامة في الدوحة، قطر
تعّرفعلى تجارب مؤثرة لمتحدثين أسهموا في صناعة التغيير، واستلهم من قصصهم وأفكارهم.
ملتقى "بالعربي" الذي يعقد في الدوحة في شهر أبريل من كل عام، هي المنصة التي يقدم عليها 16 متحدثًا أفكارهم الملهمة.
هل تملك قصة ملهمة تستحق المشاركة مع العالم؟ أو فكرة إبداعية قادرة على صناعة التغيير؟
انضم إلينا في تشكيل مستقبل الإبداع العربي
ساعد الأفكار الملهمة على تجاوز اللغات والثقافات والحدود.
بقلم: عامر درويش
خرجتُ من قلب المخيّم، حيث تضيق المساحات وتتشابك القيود، غير أن الأحلام تتّسع وتكبر. أدركتُ مبكرًا أن اللجوء قد يفرض حدودًا على الجغرافيا، لكنه لا يملك أن يضع سقفًا للفكرة. ومع كل ضيق مررتُ به، كنت أفتّش عن نافذة تطلّ على ضوء جديد، ضوءٍ اسمه الابتكار.
بإمكانات متواضعة، وإرادة عصيّة على الانكسار، حاولتُ أن أحوّل المحنة من قيدٍ إلى منطلق للاختراع. فأنجزتُ ابتكارات تمتد من أنظمة تحكّم مخصّصة لذوي الإعاقة، إلى حلولٍ في مجالات الإطفاء والطاقة النظيفة والتعقيم. ومع كل تجربة، ترسّخ لديّ يقينٌ واحد: أن الإبداع لا يحتاج إلى فخامة المختبرات بقدر ما يحتاج إلى عمق البصيرة وصدق الرغبة في خدمة الإنسان.
"الإبداع لا يحتاج إلى فخامة المختبرات بقدر ما يحتاج إلى عمق البصيرة وصدق الرغبة في خدمة الإنسان".
بواعث الشّغف
نشأتُ في بيئة شحيحة الموارد، محدودة الإمكانات، لكن شغفي منذ الطفولة كان أكبر من أي قيد. بدأتُ بأبسط الأدوات أصنع تجاربي الأولى، وأحوّل الألعاب إلى ما يشبه مختبرًا صغيرًا أبحثُ فيه عن معنى جديد للحياة.
"شغفي منذ الطفولة كان أكبر من أي قيد".
درستُ الإدارة والاقتصاد، وعملتُ سائقًا لجرّافة، وكنتُ أقسّم وقتي بين العمل والدراسة والبحث. ثم وقع حادثٌ كان بمثابة المنعطف الذي غيّر مسار حياتي؛ إذ كُسرتْ يدي، وغدوتُ عاجزًا عن قيادة الآلة. في تلك اللحظة لم أسمح لليأس أن يتقدّم خطوة، بل أخذتُ أبحث عن جهاز يتيح لي مواصلة العمل، ولمّا لم أجده، قرّرتُ أن أصنعه بنفسي.
من هنا وُلد نظام "بلو درايف 48"، وهو منظومة للتحكّم في الآليات الثقيلة عبر الهاتف الذكي. صمّمتُها من أدوات ميكانيكية كنتُ قد استخرجتها من سيارات تالفة، لأبرهن لنفسي أولًا ثم للعالم أن التكنولوجيا التي تخدم الإنسان ربما خرجت من بيئة لا تملك إلا الفكرة.
وعلى ذات النهج، ابتكرتُ منظومة "بالس فاير فايتر 48" للإطفاء عن بُعد باستخدام الطاقة الشمسية، وهي منظومة قادرة على التعامل مع مختلف أنواع الحرائق وتقديم الإسعافات الأولية للمحاصَرين.
من النكبة إلى النهضة
وخلال جائحة كورونا، واصلتُ السير في الاتجاه نفسه؛ فابتكرتُ أجهزة للتعقيم والشحن اللاسلكي، وطوّرتُ أفكارًا في مجال الطاقة النظيفة مثل "جرين كول لاند 48" و"تري سيتي 48" التي تولّد الطاقة من حركة الأشجار. وفي كل مشروع كنتُ أبحث عن الجوهر ذاته: أن يحمل الابتكار رسالة تغييرٍ حقيقية، لا أن يكون مجرّد حلّ عابر.
"في كل مشروع كنتُ أبحث عن الجوهر ذاته: أن يحمل الابتكار رسالة تغييرٍ حقيقية، لا أن يكون مجرّد حلّ عابر".
ليس الرقم 48 الذي يرافق ابتكاراتي تفصيلاً عابرًا. هو بالنسبة لي رمزٌ وطنيُ تحوّل إلى طاقة إبداعية. وقد لخّصتُ هذا المعنى بعبارة أؤمن بها: "هو عام تحوّل من مأساة إلى دافع للبناء؛ من نكبة إلى وعيٍ بأن طريقنا نحو الحياة لا يكون إلا بالعمل والإبداع".
الثمرة والصدى
كانت "بالعربي" بمثابة انطلاقة جديدة؛ كانت المشاركة فيها واللقاءات التي جمعتني بالشباب العربي من مختلف الأقطار دافعًا لانطلاقتي في عالم التدريب، إذ أدركتُ حاجة الشباب العربي إلى التدريب والتحفيز، مؤمنًا بأن الذكاء الاصطناعي مفتاحُ المرحلة المقبلة. ولذلك شرعتُ في تنظيم دورات تدريبية وقدّمتُ عشرات المحاضرات حول أساسيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته اليومية، شارك فيها أكثر من 600 متدرّب من دول عربية وأوروبية. كما طوّرتُ أيضًا سلسلة ابتكارات تُعنى بالسلامة العامة والاستدامة البيئية، آملًا أن تتحوّل، حين تنضج البيئة القانونية، إلى نماذج تُطبَّق في العالم العربي.
وأنا هنا لا أروي حكاية نجاح فردي، بل أحاول أن أبرهن على معنى واحد: أن المعاناة قد تتحوّل إلى بذرة نهضة، وأن الفكرة حين تجد صوتها تُحدِث صدى.